مصطفى صادق الرافعي
24
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فصل : [ نهج المؤلف ] وبعد فإنا سنقول في القرآن الكريم مما يتعلق بلغته ويتصل ببلاغته ويكشف عن أوجه الإعجاز في ذلك ، لا ننفذ في غير سبب لما نحن بسبيله ، ولا نذهب في الكلام عن نتيجة من نتائجه . ولا يكون من شأننا أن نتزيد بما ينزل من غرضنا منزلة القافية ، أو نتكثر مما وراءه بمثبتة أو نافية ، فإن هذا القرآن ما يزال يهدي للتي هي أقوم ، وإن النول فيه ما برح كثير المذاهب متعدد الجهات متصل الحدود يفضي بعضها إلى بعض ، إذ هو كتاب السماء إلى الأرض مستقرا ومستودعا ، وقد جاء بالإعجاز الأبدي الذي يشهد على الدهر ويشهد الدهر عليه ، فما من جهة من الكلام وفنونه إلا وأنت واجد إليها متوجّها فيه ، وما من عصر إلا وهو مقلب صفحة منه حتى لتنتهي الدنيا عند خاتمته فإذا هي خلاء « من الجنة والناس » « 1 » . ولقد أراد اللّه أن لا تضعف قوة هذا الكتاب ، وأن لا يكون في أمره على تقادم الزمن خضع أو تطامن « 2 » ، فجاءت هذه القوة فيه بأسبابها المختلفة على مقدار ما أراد ، وهي قوة الخلود الأرضي التي خرج بها القرآن مخرج الشذوذ الطبيعي ، فلا سبيل عليه ليد الزمن وحوادثه مما تبليه أو تستجدّه ، إنما هو روح من أمر اللّه تعالى هو نزله وهو يحفظه ، وقد قال سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ . بيد أنه لا بد لنا من صدر نبتدئ به القول في تاريخه وجمعه وتدوينه وقراءته حتى تكون هذه سببا إلى الكلام في لغته وبلاغته ، ثم إعجازه في اللغة والبلاغة ، لأن بعض ذلك يريد بعضه ، ونحن نستعين اللّه ونستمده ونستكفيه ، فإن في يده مفتاح هذا الباب المغلق وما زال الناس قديما يأخذون في ناحيته ويختلفون إليه ويعتزمون في ذلك . وقليل منهم من وصل . وقليل من هؤلاء من اتصل ، فاللهم عونك وتيسيرك . تاريخ القرآن جمعه وتدوينه أنزل هذا القرآن منجّما في بضع وعشرين سنة ، فربما نزلت الآية المفردة ، وربما نزلت آيات عدّة إلى عشر ، كما صح عن أهل الحديث فيما انتهى إليهم من طرق الرواية ، وذلك بحسب الحاجة التي تكون سببا في النزول ، وليثبت به فؤاد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ،
--> ( 1 ) هذه الجملة هي كذلك آخر المصحف . ( 2 ) يقال : خضعه الكبر ، وأخضعه إذا جعل في عنقه تطامنا : وهو الانخفاض .